الطيف (قصة)

تموت حبيبته في عز مراهقتهما، فيتبدل حاله، ويعتزل قريته ليحيا بين السهول على أمل اللقاء بها في الظلام !

تكاثف الظلام معتصرا ما حوله بقبضته السوداء، وأزداد البرد شدة بحيث لم تفلح جبته البالية في حمايته من وطئته، فارتجف جسده بقوة وهو يسند ظهره المتقوس إلى جذع الدوحة العملاقة التي شهدت أيام صباه المولية..

كان المكان – حيث يجلس -، جنة تمطي ربوة تشرف على قريته الوادعة التي كانت تنبض بالأحياء في يوم من الأيام..
ثبت بصره في السماء الصافية فحمله بريق نجومها إلى عالمها المفقود.. تشبث بالحشائش التي يجلس عليها، وانفرجت أساريره عن ابتسامة صدئة عندما رآها تقف بجانبه كما اعتادت أن تفعل في مثل هذه اللحظات من كل ليلة منذ فقدها..

كانت – كالعادة – رائعة الجمال لا تفارق الإبتسامة محياها الصغير..
تناول يدها الباردة، وانطلقا يمرحان بين المروج الخضراء كما كانا يفعلان..

ألقى نظرة إشفاق على وجهها الصغير الذى احمر خجلا.. تأمل قطرات العرق التي تنساب عليه ببطء.. لم يصدق أنه يراها في نفس المكان والزمان بعد أكثر من ستين عاما !
تمنى أن تدوم تلك اللحظات الفريدة إلى الأبد.. أغمض عينيه بسعادة طفل غافل، ثم فتحهما ليجد نفسه في مكانه المظلم تحت شجرته العجوز التي نثر الزمن أوراقها..

بعد رحيل الحبيبة لم يعد يعقل إلا على هذه اللحظات المتأخرة من الليل.. 

أغمض عينيه هربا من واقعه المظلم المرير، ثم فتحهمها على صوت ضحكتها الرنانة التي ملأت أذنيه.. ضحك بأعلى صوته عندما سابقها نحو قمة المرتفع الأخضر كما اعتادا أن يفعلا..
كانت السعادة تحمله على جناحيها.. قهقه بأعلى صوته عندما أزاحته جانبا، واندفعت هابطة في اتجاه القرية..
تأمل الشمس التي أوشكت على الغروب..
ترددت جملتها المعهودة في أذنيه: “لقد حان وقت العودة إلى القرية”.. عندما تبعها في أول مرة كانت وجهتها أبعد بكثير من قريتهما الوادعة..

فتح عينيه فجأة كمن أفاق من حلم جميل، فوجد نفسه في ذلك الظلام..
بعد رحيل الحبيبة لم يعد يعقل إلا على هذه اللحظات المتأخرة من الليل..

تحسس الدوحة التي يجلس تحتها بحنان، وابتسم بارتياح عندما داعب أذنيه صوت خطواتها الخافت تقترب..
ملأ صدره بالهواء المثقل بالبرودة الذي يحمل عبقها المنعش، وانفرجت أساريره عن ابتسامة مرتعشة عندما رأى طيفها الذي تقدم في العمر بدوره، يشق الظلام نحوه..

بواسطة سيد محمد ولد اخليل

التعليق المباشر

اترك تعليقاً

التعليق بالفيسبوك

شارك الموضوع ليصل إلى الآخرين

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

جميع الحقوق @ محفوظة لموقع أشجان 2014