كوكب الموت (قصة)

وصل الثلاثة إلى المكان المنشود للإعدام، فجلس كل منهم على ركام من الحجارة غير مبالين بالأجواء النارية التي تحيط بهم .. وعلى ضوء الصواعق التقت أعين الزوجين في الوقت الذي كان فيه الآخر يعد الإبرة السامة لغرسها في ذراع المرأة.

كانت العاصفة المدمرة على وشك الهبوب فانتشرت في الأفق جبال من السحب الحبلى بالعواصف النووية القاتلة.. وشق صوت الرعد المزلزل السماء إيذانا بالمزيد من النيران.. كانت الطبيعة المغدورة ترسم لوحتها المرعبة التي اعتادت على رسمها منذ انهيار نظامها على يد الإنسان..

كان ذلك في العام 2221 حيث تحول الكوكب بأكمله إلى جحيم تسود فيه السحب المشبعة بالإشعاع الحاجبة لضوء الشمس ودفئها.. كان ذلك بعد الحرب النووية الأخيرة التي دمر بها الإنسان عالمه وحوله إلى ركام يسكنه الخراب والدخان.. عالم بالكاد تتسلل خيوط الشمس عبر سحبه الملوثة لتضفي عليه من الكآبة ما لم يشهده في عصر من عصوره الماضية..

اعتاد الناجون من الكارثة على الحياة في ظلام دامس وسط الأوبئة القاتلة.. ورغم ذلك لم تجد العبرة طريقها إلى قلب الإنسان – القاسي – بل زادته رائحة الدماء دموية وزاده الخراب أنانية وتوقا إلى الهلاك..

انقسم الناس في ذلك العالم إلى قسمين .. ظلمة متجبرون يستعينون بمخلفات الحضارة البائدة من أسلحة من أجل الفتك بالضعفاء الذين يحيون كطرائد لهم ظلما وعدوانا !

انتشر الظلم بأبشع صوره، مثبتا أنه قادر على التأقلم مع كل الظروف، فاندلعت الحروب في كل مكان غير مبالية بالسماء المتوهجة التي تظلها،  لكن  سمتها كانت هذه المرة البدائية !
عاد الإنسان إلى همجيته الأولى بعد تحضر مزعوم، وأصبحت الأرواح توضع في كفة واحدة مع لقمة عيش مغتصبة كما كانت واعتادت أن تكون..

الموت ! إنه حولك يا صديقي.. إنه في كل مكان، ألا ترى هذا الدخان الذي لا يكاد ينقشع.. وتلك السحب التي تحرقنا كل ساعتين.. وذلك الموت المجهري الذي يفتك بالأبرياء.. وتلك الوحوش البشرية التي تتحين الفرص للإنقضاض على الضعفاء ؟ إنه الموت يا صديقي، وفي أبشع صوره

تحركت كومة من الركام في مكان من ذلك الكوكب المحترق، فانفتح باب خفي يفضي إلى سرداب عميق.. كان أحد المداخل السرية حيث تختبئ إحدى الجماعات المظلومة، فانبعث منه رجلان يجران – بلطف – امرأة في مقتبل العمر ارتسمت على وجهها ألوان اليأس والحسرة..
كانت العاصفة النووية في آخر أطوارها.. فتمتم أحدهما في حزن :
– يبدو أن العاصفة اللعينة على وشك الهبوب !..
أجابه الآخر :
– كم أصبح مرعبا هذا العالم.. إنها تتجمع كل ساعتين لتصب غضبها فوق رؤوسنا..
ارتعدت السماء في تلك اللحظة و بدأ هجوم الصواعق، ولكن الثلاثة كانوا ينتظرونه على أحر من الجمر لأنه كان السبيل الوحيد إلى خروجهم من ذلك المخبأ دون ملاحظة أولئك القتلة الأشرار، فجذبا الفتاة المصابة و ابتعدا عن المكان في خطوات صامتة حثيثة مراوغة..

شق الثلاثة طريقهم نحو المجهول وسط ذلك الوابل من الصواعق، غير مبالين بالجحيم الذي يعتصرهم.. هتف الأول في شرود:
– كم هو ظالم ابن عمنا الإنسان..
أجابه الثاني بأسى:
– إنه السبب في كل ما يجري..

كان الثلاثة من المستضعفين المستهدفين من القتلة.. وكانوا كغيرهم من البؤساء يتحصنون في تلك المخابئ التي نحت الركام خوفا على أرواحهم التي لم تعد تساوي شيئا عند أولئك المخربين.. وكان السبب في انتظارهم للعاصفة أنها كانت الغطاء الوحيد الذي يستطيعون التحرك تحت ستاره دون أن يكشفهم أعداؤهم الذين كانت وطأتهم عليهم أشد من وطأة التغيرات المناخية..

كانت مهمة الرجلين التخلص من الفتاة التي أصيبت بفيروس وبائي ظهر بعد الحرب، وحصد من الأرواح أكثر مما حصدت..
كان التخلص من المصابين منه هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الباقين من شره.. وكانت وظيفة الرجلين التخلص من المصابين، ولكن الأمر اختلف في هذه المرة، فقد كانت المرأة زوجة أحدهما، وكان عليه أن يقتلها بيده !..

بعد أكثر من ساعة من السير الحثيث وصل الثلاثة إلى المكان المنشود، فجلس كل منهم على ركام غير مبالين بالأجواء الملتهبة التي تحيط بهم .. وعلى ضوء الصواعق التقت أعين الزوجين في الوقت الذي كان فيه الآخر يعد الإبرة السامة لغرسها في ذراع المرأة..

اقترب الزوج المنكوب من زوجته في خطى متثاقلة وقام بحل وثاقها ثم نزع الشريط اللاصق عن فمها وهم بمعانقتها إلا أن الخوف من العدوى جعله يتقهقر إلى مكانه وهو يبكي في صمت مزقته الرعود..

ألقت عليه المرأة نظرة إشفاق والدموع تملأ عينيها الغائرتين، ثم حولت بصرها إلى الإبرة التي تلألأ في يد الآخر وغمغمت في أسى:
– كأني بالموت يعتصرنا بقبضته..
أجابها الآخر :
– إنه قدرنا.. كوني شجاعة كما عهدناك، فلا مكان للحياة على ظهر هذا الكوكب بعد الآن.. إنها مجرد لحظات ثم تنتهي كل الآلام..
التفتت إلى زوجها وقالت بحسرة:
– كانت أمنيتي أن أرى ضوء الشمس يوما.. 
ألقى عليها نظرة إشفاق وقال بخفوت:
– أنت محظوظة بمغادرة هذا العالم الكئيب قبلنا..
اقترب الآخر منها مشهرا إبرته، وهو يقول:
– تشجعي، إنها مجرد لحظات ثم ينتهي كل شيء..
ابتسمت وهي تحصر القميص البالي عن ذراعها تمهيدا لغرس بذور الموت فيه، وتمتمت:
– ما أشد ظلم الإنسان..
هتف حامل الإبرة:
– نعم، لقد قتلك و قتلنا وقتل كوكبه بأكمله..
ألقت على زوجها نظرة إشفاق، وقالت مواسية:
– لقد وعدتك بأن الموت هو الذي سيفرق بيننا..
كانت تلك الكلمات كل ما ينتظره ذلك الزوج المنكوب، فهب واقفا واقتلع قناعه  ورمى به بعيدا وهو يهتف:
– لن يفرق الموت بيننا بل سيجمعنا كما جمعتنا الحياة..
كانت عيناه تبرقان وهو يخطو نحو زوجته وسط تحذيرات الصديق الذي هتف محذرا:
– هل فقدت عقلك..
ابتسم وهو يقول بحسرة:
– نعم، فقدته منذ فقدت كوكبي..
ضم زوجته إلى صدره بحنان ثم قال:
– سامحيني، كان التمسك بهذه الحياة الواهية أقوى مني..
هتف صاحبه وهو لا يكاد يصدق عينيه:
– لقد حكمت على نفسك بالموت.. 
ازداد تشبثا بجسد زوجته الضئيل وقال:
– الموت ! إنه حولك يا صديقي.. إنه في كل مكان، ألا ترى هذا الدخان الذي لا يكاد ينقشع.. وتلك السحب التي تحرقنا كل ساعتين.. وذلك الموت المجهري الذي يفتك بالأبرياء.. وتلك الوحوش البشرية التي تتحين الفرص للإنقضاض على الضعفاء ؟ إنه الموت يا صديقي، وفي أبشع صوره، فلا بأس به في أحضان من نحب..
غمغمت الفتاة وهي تتشبث بزوجها:
– من المؤسف أننا بشكل أو بآخر تسببنا في كل هذا..
كان الآخر يراقبهما بأسى، فتمتم:
– أظنكما ستتقاسمان ما في هذه الإبرة من سم..
هتفت الفتاة وهي تستمد شجاعتها من عيني زوجها الزائغتين:
– إذا كان ولا بد، فليكن موتنا انتقاما لكوكبنا المغدور لا بهذه الطريقة الجبانة..
هتف الزوج بحماس:
– لم لا.. لم لا نعاقب ذلك الوحش الهمجي الذي زاد كوكبنا ظلاما على ظلامه.. لم لا ننتقم له ولأنفسنا ولإخوتنا المستضعفين.. 
التفت إلى صاحبه وهتف:
– الموت بين أشلاء أولئك الظلمة أشرف من الموت تحت ظلال إبرتك السامة.. وداعا يا صديقي لن تجد بعد اليوم من يساعدك في قتل المرضى العاجزين عن الحياة..
برقت عينا الرجل الآخر، وهتف وهو ينزع قناعه بدوره:
– لكنك ستجد من يساعدك في التخلص من أولئك الطغاة المتجبرين..

حمل الثلاثة أسلحتهم المتواضعة واختاروا اقرب طريق إلى أولئك الظلمة تاركين خلفهم مخبأهم  السري ومن يتحصن فيه من المستضعفين..
اشتبكت يدا الزوجين بقوة، وتسارعت الخطوات والأنفاس عندما اقتربوا  من هدفهم القاتل، وكان عزاؤهم الوحيد هو أنهم سيقتلون بعض الحثالات البشرية التي لا تستحق الحياة..

بواسطة سيد محمد ولد اخليل

التعليق المباشر

اترك تعليقاً

التعليق بالفيسبوك

شارك الموضوع ليصل إلى الآخرين

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

جميع الحقوق @ محفوظة لموقع أشجان 2014